روحي تـُمطر .. لا تفتح مظلة
إبتهالاتي، رؤاي، مُزني المثقلة ..
.
.

معجزة الوصول إلى الشيخوخة

قبل ما يزيد عن نصف قرن كانت المعضلة التي تواجه والدي وأبناء جيله هي انجاز معجزة الوصول الى سن الشباب. الجهل والمرض وضعف الخدمات الصحية في ذلك الوقت جعل العديد منهم فرائس سهلة لقدرٍ لا يوفـّر ضعيفاً. أبي الذي سَلِم من ذلك كله حمل الإسم سلمان ومضى به نحو الشباب وما بعده بخطى واثقة. وفي السنوات الأخيرة أصبحت الاحصائيات الرسمية تقول بثقة أن لدينا من الشباب أكثر بكثير مما لدينا من الأطفال والشيوخ مجتمعين. مجتمعنا هو مجتمع شاب، حتى الآن. الأحصائيات لم تقل كم أثـّر دخول مجتمع المجنسين على أعداد الشباب و لا أعني تحديداً "أعداد" واحد زائد واحد يساوي اثنين.. بل أعني ما هو أبعد من المجموع.

منذ أشهر وحالات انتحار الشباب تعصف ، ولم تتوقف الا لتحل محلها حالات اختفائهم مقتولين مغدورين مجازفين متهورين مفقودين ضائعين تائهين مضروبين مطاردين حتى الأعتقال. حتى أن جريدة اليوم حاولت أن تشمل في خبر واحد غياب أربعة من الشباب عن احصائيتنا الرسمية.

الآن لم يعد على الطفل أن يخشى المرض ولا الجهل، فما أسهل أن تتجاوز مرحلة الطفولة إلى الشباب، لكن معجزتك ستكون أن تدرك الشيخوخة. أن تصمد أمام حواجز الدراسة الجامعية، أن تقاوم إحباط البطالة حتى حين تكون جامعياً، أن ترضى بالراتب الذي لا يكفي للحياة فرداً وحيداً عوضاً عن التفكير في إنشاء أسرة، وتتمكن من أن تعول نفسك وسواك به، أن ترى سعر كل شيء حولك يرتفع إلا سعرك هوَ هوَ لا يتغير .. حفنة من الورق الذي سيتلاشى في أول يومين من الشهر. أن ترى عذاري تسقي البعيد وتتركك ظامياً معفراً، وأكثر من هذا كله أن يكون لزاماً عليك أن تصمت أن لا تحتج ولا تتكلم ولا تسير في المظاهرات ولا تقف في الاعتصامات ولا ترفع الشعارات التي ستؤثر على الحراك الاقتصادي لعذاري.  وإذا حدث أن وجدت نفسك في مواجهة مع رجال مكافحة شغبك هذا فإفعل المستحيل لكي لا تتعرض للإعتقال ، اركض ولا تنظر للخلف ، في الخلف يركض كلب مسعور يقتات على الشباب. عليك أن تكظم غيظك وتصبر ، حتى يكون الصبر مفتاح القبر. معجزتك أن تعيش هذا كله وتتخطاه، يبقى قلبك ينبض بالحياة، تقاوم رغبتك في ركل كل شيء بما في ذلك نفسك، أن لا تختفي، أن لا تنتحر ولا تموت ، أن لا تصمت ولا تُعتقل، أن تبحث عن أسبابك ووسائلك لكي تبقى وتدرك الشيخوخة. هذا الوقت يبتلع الشباب.

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.