أشياء قليلة للغاية تستحق منا الذهاب إلى نهاية العالم من أجل انجازها في هذه الحياة. تحطيم جدران الخوف من أساطير غير حقيقية واحد منها. فرودو ذهب إلى نهاية العالم ليهزم أسطورة ساورون ملك الشر ويلقي بخاتمه إلى قعر الجحيم. أتذكر أحد المقاطع الأخيرة من الفيلم (ملك الخواتم) حين كان فرودو يقترب جداً من هدفه،وبلا مؤونة لرحلة العودة إلى البيت، كان مصرّاً على ضرورة الوصول إلى الهدف. كل شيء في طريقه قال له لن تصل، لكن ما كانت خياراته؟ ليس سوى الخيار الوحيد بالاستمرار. وحين قالت له الأشياء لن تعود إلى البيت سالماً أستمر في رحلته أيضاً، محمّلاً بخاتم صغير واحد وبمسؤولية عظيمة تجاه عالمه الصغير قبل الحديث عن العوالم الأخرى. ربما كان ليفشل لكن قدره كان خوض التجربة والذهاب إلى نهاية العالم لجعل الحياة مُستحقّة. الآن حين يبدو أن الفرق بين "أن تحيا" و "أن لا تموت" يتضاءل كل يوم، حين يتحول الواحد منا إلى كان مستهلك للحياة بدلاً من أن يكون خالقاً لها، حين تكبر كل يوم قائمة الأشياء التي نفعلها لندرك نهاية الشهر، حين تتضاءل طموحاتنا إلى الحصول على قرض نستمر في سداده طوال ما تبقى لنا من عمر، أو الحصول على خمسين دينار لن تكفي حتى لشراء مؤونة البيت لهذا الشهر، حين يتم جرّنا كل يوم إلى هامش الصفحة بدلاً من أن نتخذ مكاننا في صدارتها، يتم اخراج البحر منّا وتحويلنا إلى مواطنين درجة خامسة في قانون غير مكتوب، لأن المتردية والنطيحة وجدت من يساندها لتحتل الصفوف الأولى من درجات المواطنة. حين يتم تبني المسرحيات اليومية في محفل الحياة لتحويل المواطن الحر إلى مُعارض كاره للنظام، ومجرم ينبغي اقصاؤه من المجتمع ولو بتلفيق التُهم وحين يتم تغيير تركيبة البحر الذي ولدنا فيه لجعل ملوحته غير صالحة لحياتنا فيه .. ثمة حدود للصبر، يصبح عندها ضرورياً الذهاب إلى نهاية العالم وإلقاء خاتم السلطة الملعون في قعر الجحيم، واعلان هزيمة ساورون ملك الشر. واذا كانت نهاية العالم تعني طرح استجواب ساورون في مجلس النواب مرة بعد مرة، إلى نهاية الزمان، فليكن. اذا كانت تعني تعطيل البنود على الجلسات والاصرار على مُساءلة الذوات التي لا تُمس فليكن. اذا كانت تعني المخاطرة بخسارة حياة برلمانية كسيحة فليكن. اذا كانت تعني خسارة فرص للمقايضة بمصالح أخرى، فليكن. مثل فرودو الذاهب إلى نهاية العالم بلا خيارات سوى تحقيق هدف وحيد، ينبغي الذهاب إلى هذا الاستجواب حتى نهاياته القصوى وبدون تردد. في رسالته الأخيرة قال أحد المعتقلين – والاقتباس هنا غير حرفي - : لا أمانع قضاء عمري في السجن اذا كان هذا سيكون ثمناً لهذا الاستجواب. في تجربته التي حاولت المشي على الحياد وتبني صورة حياة طبيعية، وجد أن لا خيار أمامه حين تقرر أجهزة ساورون تحطيمه. لا خيار أمامه .. هذا العالم ذاهبٌ إلى المجهول مالم يتم جلب أسطورة ساورون إلى القاع.. وتحطيمه فوقه، ولو كلّف ذلك الذهاب إلى نهاية العالم.
كانت زيارتي
الثانية للمعرض مساء الخميس مكللة بالغيظ !
وصلت عند الساعة الخامسة الا عشر وكانت طوابير الجمهور بإنتظار فتح بوابة
المعرض الداخلية (فجأة يصبح العرب ملتزمين بالمواعيد طالما يرتبط الامر بجعل
الجمهور يتبهدل شوي في الوقوف والزحمة)، حالما دخلنا بحثت عن خريطة المعرض
المتواضعة ولم أجدها! كنت متأكدة أني حمدت الله عليها أي أني لم أجحد النعمة لتزول (.. حسناً ، ربما جحدتها قليلاً!) .. سألت الشرطي عنها، وأشار إلى حاجز ورقي قال أن
الخريطة مختبئة وراءه.
استغربت جداً من حركة اخفاء الخريطة لكني حالما
التففت وراءه واكتشفت ما حل بالخريطة عرفت لماذا خبأوها .. كانت ممزقة! أحد ما
مزقها ، غالباً لأنه احتاج إلى اخذها معه في الجولة! لكن الغريب أنها ليست خريطة
فخمة ومزينة ومطبوعة على ورق فاخر، حيا الله ست ورقات مطبوعة من الكومبيوتر فلماذا
لم تلتفت اللجنة المنظمة إلى حاجتها إلى طباعة المزيد منها وتعليقها
مجدداً؟!
قررت الاستسلام والبحث العشوائي عن الدور التي جئت من أجلها: دار
الخيال والفارابي، أثناء جولتي في المتاهة وجدت شرطيين جالسين إلى طاولة وفوقها
مجموعة أوراق قائمة الدور .. استبشرت خير ولكن مجدداً كانت أوراقهما ناقصة ورقتين
وهما "خبر خير". واصلت بحثي وبصعوبة وجدت دار الخيال في المكان الذي لم أتوقعها أن
تكون فيه.
لم أجد عندهم ترجمات ديستوفيسكي لكني اخذت مجموعة قصص قصيرة (بيت
الأشباح) لفيرجينا وولف ترجمة رقية كنعان. بالإضافة إلى زوربا بترجمة الطرابيشي. أكره الاعتراف ان الطبعة الردئية قد تؤثر على علاقتي بهذه الرواية.
عدت لدار
الكنوز الأدبية للإستفسار عن ترجمات ديستوفيسكي الموجودة لديهم، تُباع المجموعة
الكاملة من أعماله بترجمة سامي الدروبي بقيمة 60 دينار بحريني، وبالإضافة إلى أن
هذا المبلغ خارج نطاق ميزانيتي فأنا أيضاً غير متحمسة لشراء المجموعة الكاملة مرة
واحدة. ليس الآن.
بعدها زرت دار الفارابي ودار العودة اللتان تتشاركان في
جناح واحد .. صاحب دار الفارابي كان لطيفاً ومتعاوناً .. وجدت عنده رواية "حبّان
طاغيان" لتانيزاكي بالإضافة إلى مجموعة روايات يابانية أخرى ملفتة للإنتباه. دهشت
عندما سلمني رواية "حبّان طاغيان" وكانت شديدة النحول، تصورت أن حب طاغي واحد
سيحتاج الى 500 صفحة على الأقل لسرده فكيف الحال مع حبّان؟ لكن يبدو أن هؤلاء
اليابانيين يميلون للإختصار.
دار العودة كانت تعرض مجموعة من اعمال جورجي
امادو أخذت منها "الرجل الذي مات مرتين" كتجربة أولى. هذه المرة أغلب ما أخذته من
المعرض هو لكتّاب أجرب القراءة لهم للمرة الأولى، لكني اشعر بالحماس
لهم.
أنهيت الجولة عند دار المدى من جديد، أخذت "أفواه الزمن" لإدواردو
غاليانو، مجموعة نصوص قصيرة ومدهشة، تصفحته للتو وقرأت القليل منه، واعتقد أنه
سيكون واحد من أهم الكتب في حصيلتي من هذا المعرض. أخذت أيضاً "البحريات" لاميمة
الخميس، كنت قد قرأت منها فصول سابقاً وأثارت اعجابي. واحدة من روائيات عربيات
قليلات يستحقن التصفيق لهن.
عندي موعد جديد مع المعرض بصحبة والدتي،
ولكني أتوقع أن مشترياتي قد توقفت عند هذا الحد مالم أجد كتاباً لا
يُقاوم.
امنياتي لكم بالتوفيق في جولاتكم ،،
بعد انقطاع ذو جودة عالية عن التدوين أعود مجدداً برؤية انطباعية عن زيارتي الأولى لمعرض الكتاب، الشغف الذي لا يُسمح لنا بممارسته إلا مرة كل سنتين لأن الثقافة الزايدة مو زينة لنا، ولأن البحارنة الله يهديهم ما يتزاحمون إلا على دور النشر الشيعية.
ذهبت اليوم إلى المعرض بعد خروجي من العمل مباشرة، ولم تكن قائمة الكتب معي لكني فكرت أن الزيارة ستكون استطلاعية فقط وسأؤجل الشراء إلى الغد .. طبعاً لم أقاوم وأشتريت!
المحبط بالنسبة لي أني سألت أول الوصول عن خريطة المعرض الموعودة وأشارت لي الموظفة على بضع ورقات A4 مطبوعة وملصقة على جدار جانبي .. وهذي خريطة معرضكم يا زوار!
يا الله، الحمدلله ، أحسن من لا شيء!
طبعاً الموقع الالكتروني الموعود حتى الآن لا حس ولا خبر عنه.
المهم، أخذت جولتي في المعرض، مجموعة لافتة من الدور من البداية .. مجلس الثقافة الوطني التابع للكويت والآخر التابع للامارات جاءا بإصدارات لافتة، ربما أقتني منها شيء في الأيام القادمة.
محطتي الاولى كانت مع الدار الوطنية، مجموعة من الدور مشاركة في المعرض في جناح المكتبة الوطنية ومنها الدار العربية للعلوم، أخذت منهم حكومة الظل(منذر قباني) والطين (عبده خال) ورأس الحسين(عبدالله خليفة.(
في مقابلها مباشرة كانت الدار العربية للدراسات والنشر وهناك وجدت ديوانيين لقاسم حداد بالإضافة الى كتابين نثريين آخرين لكني أخذت الدواوين الشعرية فقط (أيقظتني الساحرة) و (علاج المسافة) بالإضافة إلى استسلامي لشراء الأعمال الكاملة لشوقي بزيع رغم أني بالعادة أحب الدواوين المنفردة لخفتها لكن بزيع يستاهل برأيي. اخذت منهم أيضاً مزرعة الحيوان (جورج اوريل(
شاهدت الساقي، مررت على العناوين بسرعة، بحثت عن مدن تأكل العشب (عبده خال)، لا أثر.
مررت بدار الجمل، العناوين متنوعة مغرية لكني أجلت الشراء من عندهم ليوم آخر.
توقفت أيضاً عند دار المدى الموجودة في جناح مشترك مع دار الانتشار العربي وجننتني العناوين .. كلها جميلة وجديدة وأغلبها ترجمات ممتازة لصالح علماني أو أسامة منزلجي. أخذت منهم رؤى لوكريثيا(خوسيه ماريا)، حفلة التيس(ماريو يوسا)، أتغير(ليف اولمن)، الحارس في حقل الشوفان(سالنجر).
بالقرب منهم وجدت المركز الثقافي العربي وأخذت منه جنوب الحدود غرب الشمس(هاروكي موراكامي)، و كيفية السفر مع سلمون(امبرتو ايكو).
لمحت من بعيد دار ورد، ودار فراديس، وقرأت في قائمة الدور: دار الخيال دار الطليعة دار الحوار دار علاء الدين دار العلم للملايين بالإضافة إلى دور أخرى كثيرة.
بحثت عن دار الأهالي في القائمة ولم أجدها، لكني سأبحث عنها مجدداً غداً لأنها مهمة لقائمتي.
ثمة أقسام تأخذ المساحة وتُحسب مشاركة ولكنها لا تثير أي اهتمام لدي : أقسام تابعة لأجهزة حكومية لسبب ما تعتقد أنها يجب أن تشارك، دور للسيديات والاشرطة واهتمامات الأطفال (هذه ربما أتوقف عندها في آخر يوم من أجل العيال.
فيما يخص الكتب المعروضة لاحظت ان معظم الدور التي مررت عليها قامت بترتيب كتبها بالفعل وربما هناك دار او اثنتين فقط لم تزل خاوية على عروشها بانتظار فتح الصناديق وترتيب الكتب لكن السبب معروف فيما يخص الأخيرة : أكيد كتبها شيعية وبالقصد يبونها تنلطع كم يوم قبل ما ما تبدأ تبيع.
بالمجمل انطباعي عن المعرض ممتاز، واعتقد ان اي زائر سيخرج بحصيلة مغرية ومثيرة من العناوين. وإن كانت هناك عناوين نادرة أصبح من الصعب العثور عليها في المعارض وأعتقد أني سأستسلم لشراءها من النت اذا توافرت هناك أصلاً ( مدن تأكل العشب(عبده خال) و كتاب المعانقات(ادواردو غاليانو(
طبعا بالنسبة لليوم الأول وبالنسبة لمعرض البحرين عموماً، هذا المعرض لا يعرف ماذا تعني كلمة "الإزدحام".
أمنياتي لكم بالتوفيق في زيارتكم له،،
<<الصفحة الرئيسية











