روحي تـُمطر .. لا تفتح مظلة
إبتهالاتي، رؤاي، مُزني المثقلة ..
.
.

الذهاب إلى نهاية العالم

أشياء قليلة للغاية تستحق منا الذهاب إلى نهاية العالم من أجل انجازها في هذه الحياة. تحطيم جدران الخوف من أساطير غير حقيقية واحد منها.

فرودو ذهب إلى نهاية العالم ليهزم أسطورة ساورون ملك الشر ويلقي بخاتمه إلى قعر الجحيم. أتذكر أحد المقاطع الأخيرة من الفيلم (ملك الخواتم) حين كان فرودو يقترب جداً من هدفه،وبلا مؤونة لرحلة العودة إلى البيت، كان مصرّاً على ضرورة الوصول إلى الهدف. كل شيء في طريقه قال له لن تصل، لكن ما كانت خياراته؟ ليس سوى الخيار الوحيد بالاستمرار. وحين قالت له الأشياء لن تعود إلى البيت سالماً أستمر في رحلته أيضاً، محمّلاً بخاتم صغير واحد وبمسؤولية عظيمة تجاه عالمه الصغير قبل الحديث عن العوالم الأخرى. ربما كان ليفشل لكن قدره كان خوض التجربة والذهاب إلى نهاية العالم لجعل الحياة مُستحقّة.

الآن حين يبدو أن الفرق بين "أن تحيا" و "أن لا تموت" يتضاءل كل يوم، حين يتحول الواحد منا إلى كان مستهلك للحياة بدلاً من أن يكون خالقاً لها، حين تكبر كل يوم قائمة الأشياء التي نفعلها لندرك نهاية الشهر، حين تتضاءل طموحاتنا إلى الحصول على قرض نستمر في سداده طوال ما تبقى لنا من عمر، أو الحصول على خمسين دينار لن تكفي حتى لشراء مؤونة البيت لهذا الشهر، حين يتم جرّنا كل يوم إلى هامش الصفحة بدلاً من أن نتخذ مكاننا في صدارتها، يتم اخراج البحر منّا وتحويلنا إلى مواطنين درجة خامسة في قانون غير مكتوب، لأن المتردية والنطيحة وجدت من يساندها لتحتل الصفوف الأولى من درجات المواطنة. حين يتم تبني المسرحيات اليومية في محفل الحياة لتحويل المواطن الحر إلى مُعارض كاره للنظام، ومجرم ينبغي اقصاؤه من المجتمع ولو بتلفيق التُهم وحين يتم تغيير تركيبة البحر الذي ولدنا فيه لجعل ملوحته غير صالحة لحياتنا فيه .. ثمة حدود للصبر، يصبح عندها ضرورياً الذهاب إلى نهاية العالم وإلقاء خاتم السلطة الملعون في قعر الجحيم، واعلان هزيمة ساورون ملك الشر.

واذا كانت نهاية العالم تعني طرح استجواب ساورون في مجلس النواب مرة بعد مرة، إلى نهاية الزمان، فليكن. اذا كانت تعني تعطيل البنود على الجلسات والاصرار على مُساءلة الذوات التي لا تُمس فليكن. اذا كانت تعني المخاطرة بخسارة حياة برلمانية كسيحة فليكن. اذا كانت تعني خسارة فرص للمقايضة بمصالح أخرى، فليكن. مثل فرودو الذاهب إلى نهاية العالم بلا خيارات سوى تحقيق هدف وحيد، ينبغي الذهاب إلى هذا الاستجواب حتى نهاياته القصوى وبدون تردد.

في رسالته الأخيرة قال أحد المعتقلين – والاقتباس هنا غير حرفي - :

لا أمانع قضاء عمري في السجن اذا كان هذا سيكون ثمناً لهذا الاستجواب.

في تجربته التي حاولت المشي على الحياد وتبني صورة حياة طبيعية، وجد أن لا خيار أمامه حين تقرر أجهزة ساورون تحطيمه. لا خيار أمامه .. هذا العالم ذاهبٌ إلى المجهول مالم يتم جلب أسطورة ساورون إلى القاع.. وتحطيمه فوقه، ولو كلّف ذلك الذهاب إلى نهاية العالم.

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.