المساحة البيضاء الكبيرة التي أُهملت في الصفحة الأخيرة من امتحان الرياضيات،
المقعد الفارغ في الطائرة التي أقلعت في العاشرة مساءً نحو بيروت،
اليد التي لم تمتلأ بعيدية في يوم عيد الأضحى ،
البرد الذي اجتاح السرير من طرفه الأيسر،
اليوم الذي انتهى دون انجاز حقيقي يُذكر،
الدماء التي نزفت، الدموع التي سُكبت، الأجنة التي سقطت ولم تحمل أسماء،
ستطلب التعويض في الغد، وتظن انك قادر على التعويض في الغد، لكن الغد سيجيء بامتحانات جديدة، ومقاعد مختلفة، العيد لن يعود هو نفسه، والدفء سيذكرك أنك بردت مرة، الدماء والدموع وكل ما سقط، قد سقط ولن يعاود السير عكس اتجاه الجاذبية الأرضية. الغد يجيء بأجندته الخاصة الجديدة والمختلفة وينتظر منك أن تفي بها، وسيخذله ان تخسرها مجدداً بحجة التعويض في الغد.
الأهداف الغالية التي استقرت في شباك الكرة ولم تشهد عليها، كل الجُمع التي فقدت طعمها لأن السفرة خلت منك، مواكب العزاء التي انطلقت ولم يكن ليدك فيها نصيب،
والساعات الطويلة التي قضيتها برفقة الظلام وسؤال الموت،
الليالي التي لم تنمها، والملذات التي فقدت طعمها، البسمات التي تاهت عن شفاهك،
الأيام التي مرت وأنت لست فيها، الاولاد الذين كبروا ولم يكن بينهم طفل لك،
السعال الذي عاث في صدرك، وأخذك بعيداً عن نعمة الشهيق،
الشرايين التي عزفت عن استقبال ترياق الحياة، وانطوت على نفسها كمداً
الشعرات البيض التي ازداد عددها في رأس أمك وأنت مواظب في الغياب،
كلها ستضيع بلا عودة، وبعجز تام عن تصحيحها أو تعويضها، يمضي الزمن باتجاه الخسارة، التعويض حلم أفلاطوني،
نحن لسنا آلهة وليتنا نفكر مرتين، ثلاث وعشر قبل أن نقدم على أخطاءنا الكبرى التي ستسبب لنا أو لسوانا، كل الخسارات التي لا تعوّض.
ثمة دروس مهمة مستفادة من هذه الرواية، يهمني إدراجها هنا: الرواية تستحق القراءة بجدارة، وأنصح بعدم تأخيرها. 

كلما قارنا البحرين بإسرائيل وجدنا نقاط تشابه أكثر بدئاً من عمليات التجنيس المنظم، والتوطين، والتمييز العنصري عبر تقسيم المواطنين إلى فئات مواطن أصلي غير مرغوب فيه، ومواطن مجنس مُفضل (Favourite citizen) وأخيراً بإختراع الهولوكوست البحريني بتصوير مجموعة بسيطة الامكانيات من الشباب الغاضب كما لو كانوا قوة مُسلحة ذات قوة تدميرية هائلة بل أنهم قادرين على القتل، فيما تعجز قوات نشر الحنان المعروفة بقوات مكافحة الشغب عن فعل أي شيء. هولوكوست بحريني يصور مقتل الجندي الباكستاني الشهيد على أنه حقيقة رغم أن لا أحد يمكن أن يشهد على هذا القتل ويؤكد وجود الجثة بل ويؤكد انها لجندي كان متواجداً في مكان الحادث، لا أحد يشهد للعروسة غير أمها (وزارة الداخلية). قبل أن نندفع لمناقشة الأسباب والنتائج والمواقف.. من يؤكد حصول هذا القتل أصلاً؟
هولوكوست بحريني تتعالى اصوات العويل عليه كلما سقطت ضحية بريئة بدون سبب ولا مبرر. بدئاً من الشهيد علي جاسم الذي بعد سقوطه مباشرة تم اثارة قضية جيب الشرطة المحترق وبدلا من محاسبة قتلة الشهيد علي جاسم التفت الرؤوس نحو الثلة المتهمة بحرق الجيب وسرقة السلاح الذي اختفى أيضاً كما لو أننا في احدى مغامرات هاري بوتر حيث بوسع الأشياء أن تظهر من العدم ثم تختفي ولا يعود لها وجود. والآن وبعد ظهور قضية الشاب الذي يكافح ليتنفس عبدالله محسن بسبب حسن المعاملة التي تلقاها في السجن، يتم رفع الصوت بالعويل على الهولوكوست مرة ثانية بحرق جيب جديد وادعاء مقتل أحد الجنود. هل مات أحد؟ هل له جثة أم انه قد رفع للسموات العلا مباشرة؟ هل يوجد تقرير شرعي من جهة محايدة ومحل ثقة يؤكد ان هذا الشخص هذا مات في هذا الحادث بالذات؟ لماذا يجب أن ناخذ الامور عمياني لمجرد أنها جاءت من أطراف ذات سلطة؟ الشك أول دروب الوصول إلى الحقيقة وأنا أشك في حدوث هذا الهولوكوست بل أنني أنكر حدوثه.
والذي يجب أن يحدث مباشرة، فقط بإفتراض صدق الكاذب وملاحقته إلى باب بيته، هو محاسبة واستجواب عاجل لوزير الداخلية الذي يسمح بتوظيف أشخاص فاشلين جداً إلى درجة أنهم يتخلون عن سياراتهم لتحترق، ويتخلون عن أسلحتهم لتُسرق، ويتخلون عن زملائهم ليحترقوا، .. لا أعرف كيف يتوقع أن هؤلاء الفاشلين يمكن أن يحموا وطناً أو يحفظوا أمنه؟!
اليوم، الآن، يرقد عبدالله في الجناح 207 الغرفة 6 في مجمع السلمانية الطبي، بجهاز لمساعدته على التنفس فوق وجهه، بجسد منهك من الألم، بكلى في حالة تعيسة ومؤسفة، بضغط دم مرتفع في شبه انفجار، وبنفسية أتعس بمرّات. ليومين بقي مدفوناً في تلك الغرفة، دون أن يكون إلى جانبه قريب أو صديق، لسبب بسيط وتافه، أن وزارة الحنان (الشهيرة بإسم وزارة الداخلية) قد تجاهلت إبلاغ عائلته بالحالة الصحية الشديدة السوء التي يمر بها، وبأمر رقوده بالمستشفى. وزارة الحنان نفت بإستمرار (منذ دماء الإسكافي وحتى اليوم) قيامها بالتعذيب أو إساءة معاملة المعتقلين، وأصرت على اهتمامها الذي لا يُضاهى بصحة المعتقلين، ومن سيكون أكثر اهتماماً منها بهم، لكن الحالة الصحية التي وصل لها عبدالله تنفي ذلك، وجهاز التنفس فوق وجهه يقول العكس. والسؤال الذي لا ينفك: لماذا؟ من أجل ماذا يتم تحطيم عبدالله بهذه الطريقة؟ 4 أشهر هي الزمن بين اعتقاله إلى اليوم والرجل الذي كان يتوثب شباباً أصبح اليوم طريح الفراش يكافح ليعيش. 4 أشهر ولا يوجد حتى الآن لدى وزارة الحنان سبب يبرر لها ما فعلته، ولا حتى تهمة تستند إلى دليل. ماذا ستقول وزارة الحنان في بياناتها لتبرير اقدامها على محاولة القتل العمد، لشخص لا يملكون حتى القدرة على تلبيسه تهمة عادلة؟ وكيف سيبررون لوالدته تدميرهم في 4 أشهر، للولد الذي قضت السنوات الثلاثين الماضية في الاهتمام به كي لا يسعل؟ وماذا سيقولون لإمهاتنا ، نحن البقية، الذين لا نأمن ولا نضمن، متى سيحين دورنا، في لعبة التحطيم بلا إدانة، وبدون مبرر، وبغير حاجة منا لنكون في مكان الحادث؟ تعرف على عبدالله محسن بزيارة مدونته (عيون بحرينية) 
في الصباح خاض ابن أخي معركة حميمة قاسية من أجل حشر كتبه المدرسية في خيشة صغيرة كان فخوراً بها، لم تكن الصعوبة في حشر الكتب بقدر ما كانت في اقناع جده بحتمية المسألة، أن الذهاب إلى المدرسة بشنطة سبايدرمان ليس مناسباً لهذا اليوم ولابد من الخضوع لمزاج الخيشة، الأمر الذي فشل الجد في الاقتناع به واضطر الصغير في النهاية إلى التعفر بدموعه فقد بلغت المسألة عنده أقصاها. لم تكن الخيشة تستحق دموعاً، هكذا فكرت وترجمت فكرتي للولد البائس، لكنه كان محطماً جداً وهو يجر شنطة سبايدرمان خلفه باستسلام قهري. أعتقد أنه فكر أن هذا اليوم هو آخر يوم في حياته العملية كطالب روضة يحترم نفسه، فقد فشل في حمل الخيشة الصغيرة إلى المدرسة، وماذا تعني الحياة بدون خيشة كتب؟ لاشيء. لكني عرفت أنه سينسى الموضوع بعد ثلاث دقائق من دخوله الصف، ويتكيف مع واقعه الجديد، ولأن ذاكرته قصيرة فلربما لا ينتبه إلى أن ما كانت بالنسبة له مسألة مصير قد تحولت إلى لاشيء مهم واستمرت الحياة بعدها كأن لم تكن. لاحقاً حين التقينا بعد نهاية الدوام تذكر معركته الصباحية مع جده وضحك. نفس المسألة الصغيرة التي كانت مدعاة دموع وبكاء ووقوف على حافة الهاوية أصبحت ذكرى مضحكة. ولم أحتج للكثير لكي أدرك أني في اوقات كثيرة لم أكن أفرق عن سنجابي الصغير هذا، في التعفر من أجل أشياء أظنها ترياق الحياة التي لا يمكنني المضي دونها، لكنها لا تعدو كونها خيشة فشلت في اثبات جدارتها، وكان هذا هو السبب الرئيسي في خسارتي لها، وها أنا مستمرة في الحياة بدونها. أرى سناجيب أخرى كبيرة تتعفر كل يوم من أجل تحقيق أمانيها التي تظنها النهايات القصوى للسعادة، الشباب الذي يفقد بهجته ويستعد للانتحار -أو يفعلها- من أجل الحب، أو الفشل الدراسي، أو تعطل توظيفه، أو أسباب كثيرة أخرى كبيرة جداً وعميقة الألم لكنها في النهاية "خياش"، أتمنى لو أنهم أعطوا انفسهم فرصة .. ثلاث دقائق اضافية ربما، فقط ذلك الوقت اللازم ليكتشفوا أن الحياة مازالت ممكنة، بدروب مختلفة وجديدة، أن النهايات القصوى للسعادة لا تخضع لاحتمال واحد يجب تحقيقه والا فالموت، لا .. ثمة احتمالات أكبر من قدرتنا على العد وكل ما يلزم هو القوة الكافية للمرور فوق التجارب الفاشلة والانتقال إلى تجارب جديدة. أفكر الآن إن كان ثمة ما يستحق التعفر من أجله، إن كانت هناك حقاً أشياء لا نستطيع الحياة بدونها؟ الأوكسجين طبعاً، وبقية مواد شحن الطاقة الخاصة بمكائننا البيولوجية، لكن على صعيد الروح .. أثمة ما لا يمكن الحياة بدونه؟ بخلاف الله .. والأمل؟
<<الصفحة الرئيسية












