في الصباح خاض ابن أخي معركة حميمة قاسية من أجل حشر كتبه المدرسية في خيشة صغيرة كان فخوراً بها، لم تكن الصعوبة في حشر الكتب بقدر ما كانت في اقناع جده بحتمية المسألة، أن الذهاب إلى المدرسة بشنطة سبايدرمان ليس مناسباً لهذا اليوم ولابد من الخضوع لمزاج الخيشة، الأمر الذي فشل الجد في الاقتناع به واضطر الصغير في النهاية إلى التعفر بدموعه فقد بلغت المسألة عنده أقصاها. لم تكن الخيشة تستحق دموعاً، هكذا فكرت وترجمت فكرتي للولد البائس، لكنه كان محطماً جداً وهو يجر شنطة سبايدرمان خلفه باستسلام قهري. أعتقد أنه فكر أن هذا اليوم هو آخر يوم في حياته العملية كطالب روضة يحترم نفسه، فقد فشل في حمل الخيشة الصغيرة إلى المدرسة، وماذا تعني الحياة بدون خيشة كتب؟ لاشيء. لكني عرفت أنه سينسى الموضوع بعد ثلاث دقائق من دخوله الصف، ويتكيف مع واقعه الجديد، ولأن ذاكرته قصيرة فلربما لا ينتبه إلى أن ما كانت بالنسبة له مسألة مصير قد تحولت إلى لاشيء مهم واستمرت الحياة بعدها كأن لم تكن. لاحقاً حين التقينا بعد نهاية الدوام تذكر معركته الصباحية مع جده وضحك. نفس المسألة الصغيرة التي كانت مدعاة دموع وبكاء ووقوف على حافة الهاوية أصبحت ذكرى مضحكة. ولم أحتج للكثير لكي أدرك أني في اوقات كثيرة لم أكن أفرق عن سنجابي الصغير هذا، في التعفر من أجل أشياء أظنها ترياق الحياة التي لا يمكنني المضي دونها، لكنها لا تعدو كونها خيشة فشلت في اثبات جدارتها، وكان هذا هو السبب الرئيسي في خسارتي لها، وها أنا مستمرة في الحياة بدونها. أرى سناجيب أخرى كبيرة تتعفر كل يوم من أجل تحقيق أمانيها التي تظنها النهايات القصوى للسعادة، الشباب الذي يفقد بهجته ويستعد للانتحار -أو يفعلها- من أجل الحب، أو الفشل الدراسي، أو تعطل توظيفه، أو أسباب كثيرة أخرى كبيرة جداً وعميقة الألم لكنها في النهاية "خياش"، أتمنى لو أنهم أعطوا انفسهم فرصة .. ثلاث دقائق اضافية ربما، فقط ذلك الوقت اللازم ليكتشفوا أن الحياة مازالت ممكنة، بدروب مختلفة وجديدة، أن النهايات القصوى للسعادة لا تخضع لاحتمال واحد يجب تحقيقه والا فالموت، لا .. ثمة احتمالات أكبر من قدرتنا على العد وكل ما يلزم هو القوة الكافية للمرور فوق التجارب الفاشلة والانتقال إلى تجارب جديدة. أفكر الآن إن كان ثمة ما يستحق التعفر من أجله، إن كانت هناك حقاً أشياء لا نستطيع الحياة بدونها؟ الأوكسجين طبعاً، وبقية مواد شحن الطاقة الخاصة بمكائننا البيولوجية، لكن على صعيد الروح .. أثمة ما لا يمكن الحياة بدونه؟ بخلاف الله .. والأمل؟
أضف تعليقا
من البحرين

لا أعرف ولكن لو كنت في موقف مشابه ربما كنت سأسمح له بممارسة جنونه ليوم واحد على الاقل .. لجاريته في مزاج الخيشة .. لتوقفت عن التفكير فيما سيقوله الناس لإستبداله حقيبة السبايدرمان بخيشة .. اليس هذا ما يحدث لنا يوميا ويعيقنا عن تحقيق احلامنا.. موافقة ورضا الآخرين لقرارتنا وخياراتنا في الحياة.
خيشة ابن أخيك في نظري تجربة، فليخوضها ويتحمل عواقبها ويتعلم منها. ربما سيتخلى عنها بعد أول يوم لأنه لن يتحمل سخرية اصحابه في المدرسة وربما يستسيغ غيره الفكرة ويقلده. قد يتعثر في جّرها ويقع وقد تحدث له مواقف كثيرة طريفة او مؤلمة .. دعوه يعيش تجاربه التي يختاره طالما هي غير مؤذية له أو للآخرين وكفانا ما نعيشه نحن الكبار من تحفظات.
من البحرين

لكن التأثير على ارادة الآخرين "الكبار" ليس بالأمر الممكن دائماً. هناك الجد الذي ربما يمكن التحايل عليه، لكن أيضاً هناك الله.
الأمر لا يتعلق بأن لا نحاول وأن لا نجرب ( نحن أيضاً صغار معرضون للتجربة)، لكنه يتعلق بالذكاء الكافي لنعرف أن تجربتنا في نهاية الأمر ليست هي المصير المحتوم أو القدر الوحيد الذي ينتظرنا في هذه الحياة. في كل مرة نسبح فيها ضد التيار، ويوشك الله على تحطيم مجاذيفنا، سنبكي ونصلي لكي يتحلى بالحنان الكافي ليساعدنا في النجاح في التجربة، لكن أبداً، يجب أن لا نرهن حياتنا على هذا النجاح، اذا نجحنا فهذا شيء رائع، لكن اذا فشلنا يجب أن لا نعتقد أن هذا الفشل هو نهاية العالم، فللعالم نهايات لا تُحصى.
النجاح شيء رائع، لكن علينا أن نعرف منذ سنوات المشي الأولى، أن النجاح ليس القدر الوحيد الذي ينتظرنا في الحياة، ستكون هناك مرات عديدة نتعثر فيها ونفشل، لظروف أكبر من قدرتنا على مصارعتها، لكن المهم أن نمضي ونستمر. الأمنيات العظيمة التي ربطناها باستمراريتنا في وقت ما، وفشلنا في تحقيقها لا يجب أن تتحول إلى مشانق تلتف حول رقابنا، واذا منحنا انفسنا الوقت الكافي لتجاوزها فهي لن تعدو كونها نقاط تشكل حبل الحياة الممتد.
من البحرين

هلا شقيقة
عشان تعرفين بس، إن القمع وقتل أحلام الإنسان يتم بمشاركة الجميع، ولا أحد أفضل من أحد. قمع يبدأ في البيت ويتجلى في المدرسة.. وهي الأماكن التي نفترض فيها الأمان والمحبة ووووو ثم تبدأ الأجهزة التي من صلب وظائفها القمع بجميع أشكالها وتلوناتها في ممارسة هذه الأدوار.. ولو كان الطفل الطفلي .. لأوصلته إلى روضته بالخيشة التي يريد.. رغم أنف أكبر خنفرة ؟
فمان إلا
من البحرين

أبشر المنتفضين لحماية حق الطفل في حمل الخيشة، بإن السنجاب العزيز قد نجح في حشر كتبه في خيشة أكبر هذا اليوم وحملها بقوة السوبرمان وذهب بها إلى المدرسة، بعد أن ألقى خطبة عصماء عن ضرورة عدم التحكم في رغبات الطفل، وسط ذهول الجد الذي ذهبت اعتراضاته مع الريح.
زين جذيه؟ الجاهل شكله يقرا المدونة قبل ما ينام!
من البحرين

الله يبارك في حياتك كسيف.. التغيير زين :-D
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من البحرين
شكرا على المقال الجميل
ولكن ....
برغم تفاهة رغبة الطفل في حمل الخيشة معه (من وجهة نظر الكبار ) إلا اننا حرمنا الطفل من أن يكتشف بنفسه ان الامر ( تافه )، وبدلا من ذلك فقد تعلم الطفل شيء جديد وهو ان ارادته مرهونة بإرادة الكبار .
واذا قمنا بقياس استنتاجك على معظم ما يحدث اليوم من احباط للشباب ورغبة في ( الانتحار المعنوي ) فإننا نسقط ما حدث لأبن اخيك على الشباب ، ان الكبار هم فقط من يتلاعب بإرادتهم واحلامهم وآمالهم، ليكون في المحصلة دموع غير ظاهرة من الحسرة والتشاؤم، ودموع أخرى لإفتقاد الامل .
وعندما نرى شباب اليوم ونطالبهم بالمضي قدما والتفاؤل وان يمروا فوق التجارب الفاشلة ليجدوا دروبا اخرى ممكنة ، فأنا اتيقن بأنني حرمت هذا الشاب في يوما من الايام من ( الخيشة ) التي جعلته ينتظر ارادة الاخرين ان تفرض عليه، وتيقنت بعدها ان الخيشة أمرا لم يكن تافهاً.
تحياتي لكاتب المقال