حظيت اليوم بتجربة رائعة تمثلت في حضوري للمؤتمر السنوي لرابطة القياديين الشباب العرب Young Arab Leaders – Youth Round Table والذي يهدف الى جمع الشباب الذين يوشكون على التخرج من الجامعات بأرباب العمل (أنا مثلاً) وتبادل حوار مثمر حول ما يتوقعه رب العمل من الخريج وما يتوقعه الخريج من سوق العمل وكيف يمكن تحسين فرص التوظيف لكلا الطرفين. كان اليوم حافلاً بالأفكار والحوارات الساخنة من كلا الطرفين وبدا التجمع كفرصة مميزة للخريجين الجدد ليس لتوزيع سيرهم الذاتية فحسب بل لفتح عيونهم على فرصهم الحقيقية في سوق العمل، كيفية تسويق أنفسهم وابتداء رحلة مثمرة نحو مستقبل وظيفي ممتد وليس مجرد وظيفة لليوم وغداً. ما لفت انتباهي بشكل كبير امرين تحدث عنهما الطلاب كما لو كانتا حقائق وقد حاول المتحدثين الأساسيين في المؤتمر تصحيح هاتين الفكرتين:
1 الإنسان ليس مجرد GPA. يعتقد الخريج ان معدله التراكمي سيساعده في الحصول على وظيفة، وهذا صحيح، ولكن ليس ان لم يساعد نفسه. شخصيته، طريقة تقديمه لنفسه، طريقة عرضه لمواهبه المميزة واثبات انه ليس مجرد فكرة متفوقة ومعدل مرتفع واوراق امتحان مبهرة، بل اكثر من ذلك هو انسان قادر على اعطاء نتائج عملية لما يعرف ولما تعلم. الإنسان الذي بداخله اكثر اهمية من اي شيء آخر.
2 الطريقة الوحيدة لإثبات تفوقي هي أن أعمل في المجال الذي تخرجت منه. طبعاً لا. تمتلأ سوق العمل بأشخاص يعملون في مجالات لا تتعلق بمجالات دراستهم، وهذا لا يعني أنهم ضيعوا وقتهم في الجامعة او انهم لم يستفيدوا مما درسوا، فالأمر يعتمد على ما تعنيه الدراسة لك. عودة إلى النقطة الأولى اذا كانت الدراسة مجرد اوراق امتحان مبهرة ومعدل مرتفع، فربما لا يكون لك حل الا ان تعمل في مجال دراستك. اما اذا كان ما خرجت به من الجامعة يتعدى ذلك الى خبرة متكاملة في الاستفادة من الموارد لتطوير الذات واكتساب المعرفة، اذا كنت قد توصلت الى اكتساب مهارة التواصل الاجتماعي مع الآخرين خلال فترة دراستك، وحصلت على خبرة العمل الجماعي من بين أشياء عديدة، اذا كنت قد بنيت الأساسات الأولى للتعلم والعمل الشاق من أجل التطور والوصول إلى الأهداف فلربما لن تجد مشكلة كبرى في ان تعمل في أي مجال. شهادتك الجامعية لا تعدو كونها رخصة القيادة التي تقول للعالم انك مؤهل لتحمل كل ما يلزم في سبيل الوصول إلى الهدف.
ما يثير الاهتمام هنا، أن الطلبة يختارون في عمر الـ 18 تخصصهم، وبعد خمس سنوات حين تكون شخصياتهم قد تشكلت وتغيرت بالكامل، يعتقدون انهم مجبرين على المضي في الطريق الذي اختاروه حين كانوا أقل خبرة ومعرفة.
اعتقد ان قناعتنا الخاطئة بالحقائق السابقة ترجع بالدرجة الأولى الى الطريقة التي تم بها تربيتنا وتعليمنا. معدلك هو اللي يحدد اين تذهب: الى العلمي او الى الأدبي. وتخصصك يختار لك بقية الطريق، اذا ذهبت الى العلمي لا يحق لك ان تدخل كلية البيزنس حتى لو بكيت. هكذا تقول جامعة البحرين، لكن من قال ان جامعة البحرين هي الصراط المستقيم الذي يحدد لنا ما نستطيع وما لا نستطيع؟
طبعا تستطيع ان تختار لنفسك خطك في الحياة. وطبعا وبدون اي تدخل من اي احد ولا حتى جامعة البحرين يجب ان تقول كلمتك وتقرر لنفسك، وتحتفظ بحقك الأزلي في تغيير خطك في اي وقت تجد فيه حاجة إلى أن تفعل ذلك. لا تكن انت العقبة التي تقف امام نفسك. اذا وجدت فرصاً رائعة لكنها ببساطة لا تشبه تخصصك لا تدعها تضيع، امنح نفسك الفرصة، لأجل الله.
يقول الأمريكي ويليام جيمس: "ان اعظم اكتشافات جيلي، أن بوسع الإنسان تغيير حياته، بمجرد تغيير طريقة تفكيره."
غيّر طريقة تفكيرك، لربما تجد الحل.
The "cage went in search of a bird" - Kafka. Read BB Letter to Abdullah Here 
في فيلم Water Boy تقوم الأم بإحتكار ابنها لأنها تخشى أنه لو خرج للعالم فلن يعود لها. لا يذهب الأبن إلى المدرسة أبداً وعندما يسألها عن المدرسة تقول له أن "المدرسة هي الشيطان".
تذكرت هذه العبارة اليوم حين قرأت خبراً عن توجيه بلاغ ضد طفل في العاشرة من عمره بتهمة التحريض على كراهية النظام وتحريك المظاهرات وتهم أكبر من أن يفهمها! وكان مصدر العجب الأكبر أن هذه التهم قد تم توجيهها من قبل إدارة مدرسته! هذه الإدارة التي أثبتت بتفوق مع مرتبة العار أنها لا تعرف أي شي عن التربية عوضاً عن التعليم ولا تحمل ذرة من الاهتمام بمستقبل هذا الطفل أو بحاضره، بصحته النفسية أو الجسدية، حين ترمي به ببساطة بين أنياب الذئب البارزة وترسله إلى أقرب مخفر شرطة، أو معتقل. وما زلت أذكر أحداث العام الماضي حين قامت إدارة مدرسية أخرى لا تقل تفوقاً عن هذه، بإرسال طالبة في سن المراهقة إلى الشرطة حيث قضت عدة ليال في الحبس بتهمة تزوير العملة! في حين كانت الحقيقة التي يدركها الطفل فضلاً عن البالغ أن الفتاة تمزح مع صديقاتها بمجموعة من أوراق اللعب المالي المميزة للجميع.
أشعر الآن بالقلق الذي ينتاب الأمهات كل صباح وهن يرسلن أبناءهن إلى مدارس لا تختلف كثيراً عن الشيطان، ويغامرون كل يوم بإحتمال أن يرجع الابن سليماً من كل سوء، وأن لا يستقبل هاتف منزله اتصالاً يفيد بضرورة حضوره إلى أقرب زنزانة متهماً بتهم لا يجيد تفكيك حروفها عوضاً عن فهمها.
ربما لم يعد مهماً ان يضرب الآباء أسداسهم في الأخماس مفكرين هل نأخذ الولد إلى مدرسة خاصة أم إلى أخرى حكومية. دعوهم في البيت، فالمدرسة هي الشيطان. المدرسة التي تشبه هذي هي حتماً وبلا شك، هي الشيطان.
<<الصفحة الرئيسية











